أبناء التوحيد

أهلا بك بين أخوتك في دين التوحيد، يشرفنا انضمامك بيننا
أبناء التوحيد

متدى ديني خاص بأبناء دين التوحيد الدرزي

المواضيع الأخيرة

» ما بين هرمس وأفلطون عليهما السلام
الإثنين يونيو 25, 2012 12:18 pm من طرف نواف

» الحكمة القديمة
السبت يوليو 10, 2010 6:00 pm من طرف ثائر حديفة

» بين العقل والضد
السبت يوليو 10, 2010 5:48 pm من طرف ثائر حديفة

» العمامة المكولسه
الجمعة يوليو 09, 2010 7:07 pm من طرف ثائر حديفة

» نظرية المعرفة عند أفلاطون (هام جدا)
الجمعة يوليو 09, 2010 2:54 am من طرف wajdytay

» المقامات الروحية التوحيدية العالية
الثلاثاء يوليو 06, 2010 6:00 pm من طرف ثائر حديفة

» الحكيم أرسطو طاليس (عليه السلام)
الإثنين يوليو 05, 2010 4:21 am من طرف wajdytay

» بنات الدروز
السبت يونيو 26, 2010 9:13 pm من طرف ثائر حديفة

» معركة قيصما
السبت يونيو 26, 2010 9:03 pm من طرف ثائر حديفة

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

    كما بدأنا أول خلقٍ نُعيدُه

    شاطر
    avatar
    ثائر حديفة
    Admin

    عدد المساهمات : 37
    تاريخ التسجيل : 23/06/2010
    العمر : 53

    كما بدأنا أول خلقٍ نُعيدُه

    مُساهمة من طرف ثائر حديفة في الأربعاء يونيو 23, 2010 7:22 pm

    تعالوا ننظر إلى الخلق فَنَرَ أنَّ كلَّ شيء يدور ويكور في عالمه الخاص وفق قانون دوران واحد اختلفت سرعة دورانه بسبب كبر حجمه أو عطالته، والتي كلما صغرت أصبحت سرعة الدوران أكبر، إلى أن نصل إلى أصغر عنصر في الوجود فتصبح السرعة هائلة جداً، وهكذا حتى نصل إلى الدوران حول ذلك العنصر لا نهائي الصغر، فتصبح سرعتنا ليست بمقدار سرعة الضوء فقط، وما لها من اختراقات لعالمنا النسبي، بل تصبح السرعة لا نهائية، وعندها ندرك أننا عدنا، وعندها ندرك أننا أصبحنا كل شيء، وأننا دخلنا من عمق البساطة والصغر لنصبح بقمة المعرفة والكبر، وعندها نستعيد شخصيَّتنا الإلهية المفقودة ومعنى الإلهية هنا اللانهائية، أي إننا نصبح لا نهائيي القدرة ولا نهائيي العظمة، لأننا عرفنا حقيقة أننا آلهة من إله، وأننا نسير على الطريق نفسه والحق والحياة وأننا الدوائر التي عادت إلى نقطة بدايتها، وأننا الحرية بكمال معانيها، وأننا الذرات والمجرات في الوقت نفسه، وأننا النقطة التي عادت إلى بدايتها بعودة نقطة دائرتها إلى بداية انطلاقتها، وأننا مظهر البدء والختام، «يومَ نطوي السَّماء كطيِّ السِّجلِّ للكُتُب كما بدأنا أول خلقٍ نعيدُه، وعداً علينا إنَّا كُنَّا فاعلين».

    فكل شيء يعود إلى منبعه وإلى أصله، وهذه الآيات التي تظهر لنا لعلنا ننظر إلى الوجود فنرى العبرة من خلق كل موجود، والتي في النهاية لن تكون إلاَّ عبرة واحدة تذكِّرنا بالحقيقة الواحدة، والتي تقول إننا البذرة التي تعيد تكوين الشجرة، وإننا القطرة التي تعيد تكوين البحر، وإننا النطفة التي تعيد خلق الإنسان، وإننا الواحد الذي تعدد، وهذا يعني أننا شعرنا بالحقيقة وتحققنا من وجودنا الحقيق، وهذا يعني أننا لم نعد تلك الذوات المنفصلة، بل أصبحنا الذات المتحدة، وكل هذا يجري عبر النفس الفردية والتي من ذاتها ولوحدها ومن داخلها نشعر بأجهزتها الخاصة ومعنى الروح الكونية ومعنى حقيقتها الإلهية، ومعنى كلمة التحقق والتي تعرفها من خلال اتِّساعها الداخلي وتحسُّسها للقوة العظيمة فيها وللجمال الأخَّاذ بداخلها، ومن خلال الشُّعور بها بأنَّها واحدة متحدة مع حقيقة وجودها، فتطلع على كل ما في الوجود إلهاماً، لأنَّها أصبحت تعمل على الموجة اللانهاية نفسها، وعلى الدائرة لا نهائية السرعة نفسها، بل تعدتها لتصل إلى القوة اللانهائية بداخلها، وهنا تتحقق من حقيقة توحيدها بتوحدها مع داخل ما بها من قوة وعظمة وجمال، وهنا تصل إلى الإيمان، حيث لم يعد الإيمان كلاماً، بل أصبح إيمان رؤيا أي إنها النفس المطمئنة التي اختبرت حقيقتها والتي عرفت أنَّها عادت إلى سوسها أي أصلها ومنبعها.

    انظروا إلى البحر الواحد، حيث يتبخر فيتعدد بقطرات لا نهائية عندما تمطر سحاباته على قمم جبال الأودية، والتي تعود القطرات من جديد لتسيل في أودية تصل بها إلى ذلك البحر أصلها.
    انظروا إلى الدودة تخرج من شرنقتها معبرة عن حقيقة ولادتها كفراشة تطير في فضاء أعلى إلى أن تصل إلى فنائها بالنور.
    انظروا إلى البذرة تُخرج شجرة فيها ملايين البذور والتي تعود كل واحدة إلى تربتها لتخرج شجرتها نفسها.
    انظروا إلى أصناف وأنواع الطيور والحيوانات، كلٌّ يزرع نوعه ويخرج النوع نفسه، ليحافظ على وجوده بدائرة خلقه الخاصة..
    انظروا إلى الطفل يصبح شيخاً هرماً، حيث بدوره يعود ليصبح طفلاً من جديد.

    انظروا إلى كل شيء، حيث يموت ويتلاشى ليعاد تكوينه عبر أحدية مكوناته، ويستمر الخلق في دوائر إلى أن نصل إلى التوحيد والذي لا يعني هنا إلا الحقيقة.
    «سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتَّى يتبيَّن لهُم أنَّه الحقُّ».
    «إنَّ في خلق السموات والأرض لآيات لقوم يتفكَّرون».
    وما الغاية من خلق الخلق، ودوران الدوائر ونزول الآيات إلاالوصول إلى التحقق والذي لن يتم إلا من خلال نفس كلِّ واحد بذاته، حيث فيها المكونات الكونية الأولى للشجرة الكونية التالية.
    مَنْ ينكر أنَّ الشجرة كامنة في قلب البذرة ولو لم نَرَها؟
    مَنْ ينكر أنَّ الإنسان بكامله كامن في قلب النطفة ولو لم نَرَه؟
    مَنْ ينكر أنَّ الكون الظاهري كله كامن في قلب كائن كوني، أو خلية كونية تتجسد بما نرى من هذه الشجرة الكونية؟
    مَنْ ينكر أنَّ في قلب نفس كلِّ واحد فينا المكونات الكونية لشجرة الحياة نفسها؟
    مَنْ ينكر أنَّ وجودنا هو ثمرات شجرة الكون، وكلُّ واحد فينا يحمل قوة خلق تلك الشجرة نفسها، ولكن ما عليه إلا الوصول إلى التحقق من «كما بدأنا أول خلق نعيده..»؟
    آهٍ من تلك الثمرة على شجرة الرُّمان التي تَلَهَّت بمَنْ حولها وتأخَّرت عن إنضاج ثمرتها واعتقدت بنفسها أنَّها ما تنظر إليه وتسمع منه وتعتقد به ناسية أصلها وحقيقة وجودها لإعادة دائرة خلقها، فتأخرت على غصن شجرتها وتعرَّضت لهجوم الحشرات والديدان وتعفَّنت وفسدت، ولم تعد قادرة على إعادة خلقها الخاص، ولم تعد تصلح لشيء، فلفظتها شجرة الرمان وداستها أرجل الناس، وعادت إلى عدميتها بدون أن تغلق دائرتها فتعيد الخلق من جديد، فلم تؤدِّ غاية وجودها، ففقدت بريق جمالها الخاص، وفقد حَبُّ رُمَّانها حلاوة مذاقه، وإبداع تكوينه ولم يصب الأذى إلا نفسها ولم تعرف من أين أتت وإلى أين تعود، وهكذا أصبحت في «أرذل العمر»، فقل:
    «إنَّ في خلق السموات والأرض لآيات لقوم يتفكَّرون».
    قل:
    «هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً».
    نعم إنَّ الإنسان سيفقد وجوده إذا مات، مثل ثمرة الرمان من دون أن يحقق غايته والتي هي معرفته أنَّه الروح التي تخلق الكون من جديد، وهنا يطرح السؤال التالي وجوده:
    إننا نحسُّ بأنَّ الإله هو الإنسان نفسه، ولا فرق في ذلك؟ وهذه عقيدة حلولية، ويأتي الجواب:
    بأنَّ هذا ما نحسُّ به ولا يعني حقيقة الأمر، فلا يعني مجرد الظن والاعتقاد أو سطحية التفكير أنَّ الحقيقة كما نظن.
    فاطمئن يا أخي السائل من جديد، ولا تضع نفسك بمنصب المُدافع عن مقام ذي العرش «الذي على العرش استوى» ، ولا تعتقد أنَّك بمعتقدك تعرفه حتى تدافع عنه، فمعرفته ليست بالظن والهوى وليست بالفكر والاعتقاد فقط، بل هي معرفة ثمرة الرمان لحقيقتها والتي غرستها بذرة معرفتها في تربة شجرتها بالزمان المناسب فتفتَّحت لها الحقيقة بأن:
    «كما بدأنا أول خلقٍ نعيده…».

    فالحقيقة للعيش وللتفكير وللتأمُّل، وليست للتمنطق والجَدَل العقيم والحديث، والحقيقة ليست للتصارع والتضاد والاعتقاد وليست لصراع المذاهب والتجمعات، بل هي التناغم مع دائرة الوجود والتي تظهر متعددة ومختلفة الأحجام والسرعات، ولكنها حقيقتها كلها واحدة، وهي السكون والحركة في الوقت نفسه والدوران حول مركزها الواحد بغض النظر عن الحجوم والسرعات ووما يظهر من أشكال وقدرات، فالحقيقة تؤكد أنَّ:
    الإله واحد في سمائه ويظهر متعدداً في أرض خلقه، ولكن ظهوره بالتعدد لا يعني أنَّه فقد التوحد، فما دامت عيوننا تنظر إلى غيره بالرغم من ظهوره المتعدد، فإننا في ظلمات مجازية فوقها ظلمات، وإلى أن نصل إلى أن الإله السماوي لواحد ومعنا السماء هنا ليست مادية، بل الحقيقة الوجودية العميقة، هذا الإله أصبح نفسه على الأرض سبعة مليارات إله ولا فرق بينهم في الحقيقة، كيف لنا أنْ نعي تلك الحقيقة؟ لذلك جاءت الأديان والمدارس والطرائق لتعرِّفنا أنَّ خلف كل الثمر بذرة الشجرة نفسها، وأنَّ خلف كل الصور الإنسانية الإله المحب الرحيم نفسه، ولكنه خداع البصر يجعلنا ننظر قوة خداعه إلى الأشياء من زاوية ظهورها، وليس من زاوية حقيقتها والتي تحتاج منا إلى التحقق من حقيقتها الإلهية لننظر بعين اليقين فنرى الأحدية ضمن كل هذه التعددية «احذروا فراسة المؤمن فإنَّه ينظر بعين الله»، وما عين الله هنا إلا تلك النظرة الحقيقية الأحدية ضمن كل ما يظهر أمام أعيننا من تعددية، ولذلك قيل كثيراً للإنسان بأنْ يعود لنفسه، وأنَّه لن يعرف الحقيقة إلا من خلال العودة لنفسه وأنَّ «مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربَّه».

    لأنَّه هكذا هو القانون «كما بدأنا أول خلق نعيده».
    وكما ظهر الواحد متعدداً ضمن تتالي الأعداد، فإنَّ أصل وحقيقة تلك الأعداد هو الواحد نفسه، وهكذا حقيقة كل الثمر بذرة الشجر نفسها، بغض النظر عن ما يظهر لعيون البشر، فالتركيز في التوحيد وفي الحقيقة دوماً على عودة النفس إلى ذاتها لاستنباط كنوزها الداخلية، أما المستوى الخارجي الظاهري السطحي فليس هو المطروق للبحث هنا، وليست علوم الظاهر المتعددة هي الغاية، بل الغاية علوم الباطن المتوحدة والعودة إلى تلك الكلية المتوحدة التي خرج منها آدم، وإليها يعود، لذلك ما هو مطلوب منا في الطريق الروحي الداخلي العميق هو العودة إلى آدم أنفسنا، وهذا طريق داخلي له علومه الخاصة وقوانينه الخاصة ولا يتناقض مع القوانين والعلوم الخارجية، بل على العكس سيكون سبباً لزيادة الفهم والإقناع، إذ إنَّ تلك العلوم وتلك الحياة خارجية، كلنا نعيشها بما ترون وما يظهر منَّا، ولكن علينا أنْ لا نفقد حياتنا الداخلية، والتي فيها الحقيقة الأزلية، فإنْ ظهرت الثمرة على الشجرة متأنقة متألقة، فلا يعني أنها بما تظهر فقط وإنْ تحولت إلى فم الإنسان ليأكلها فلا يعني أنها لم تُعِدْ خلق الشجرة، بل أكلها الكون وأعيدت صياغتها بتحولها إلى كائن آخر يغذي بذرة خلقه هو، فليست الأمثال إلا لتعطينا فكرة بأنَّ الغاية ليست بما تظهر الأشياء من جمود أو حركة، بل الغاية هي وعي الإلهية ووعي الحقيقة الأزلية، ومن داخل نفوسنا وبذلك سنرتقي إلى حقيقة وجودنا وسنتواصل مع نسغ شجرتنا الأحدي الكامل، وبالتالي فإنَّ ظاهر ثمرتنا سيعبر أجمل تعبير عن نفسه ولن يخسر نفسه بسقوطه ميتاً بعد الحياة، بل سيحمل معه وعيه إلى مكان آخر، بزمان آخر وبكون آخر، حيث يبدأ رحلة التحولات من جديد، إلى أنْ يعرف أنَّه الكل والجزء في الوقت نفسه.

    لقد تجسدنا من كلمة الإبداع الأولى بـ «كن» فكان التكوين بكلِّ ما نراه، ولم تطلق كلمة «كن» أو كلمة «أوم»، بالسنسكريتية في الماضي ووقف بثّها الآن، بل نحن نعيد ترجيع صدى ذبذباتها دوماً وهي دائمة البث من محطَّتها الفضائية فوق الزمان والمكان، حيث إنَّ هذه الكلمة «OM» أو «AK» أو «كن»، ما هي إلا حرفان مركبان الأول متحرك، ويمثل الديناميكية، والآخر ساكن ويمثل السكون، وباجتماع الحركة والسكون مع بعضهما يكمن سر الإبداع وسر الخلق وسر استمرار الوجود على ما يظهر عليه.

    فعندما نصل إلى قمة السكون بالنقطة في لفظ حرف «M» أو «ن» فإننا نصل إلى اجتماع الحركة والسكون معاً في العالم النسبي الذي نحن فيه، والذي إذا زرعنا نقطته أو بذرته في تربة التأمُّل والتَّفكُّر والصلاة من جديد، فإنَّ وعياً جديداً سيعاد إلى أصله وسنسمع صدى الصوت الأول بانطلاقتنا من جديد نحو قمة الحركة بلفظة «KA» أو لفظة «MO» 0 فهذا سر علم الحرف والذي يتوافق مع علم الأعداد، وهذا هو سر التكوين، وهذه الحروف التي اختيرت ليست عبثية، بل كما نحن نعلم بتراثنا العقائدي فإنَّ كلمة «كن» هي لفظة أول الإبداع، وهي التي قيل عنها «في البدء كانت الكلمة»، وإنَّ كلمة «OM» بالسنسكريتية تمثل المعنى نفسه، وكذلك «AK»، حيث هي أول حروف الحكمة الفيدية والتي تمثل شريطاً متتالياً للخلق، حيث تعيد تكوين نفسها عبر تتالي الحروف، فتكوِّن آلاف مجلدات الفيدات والتي تتوافق مع كتبنا المقدسة بلغتنا الخاصة ويبقى المعنى واحداً للجميع، وبين الجميع، معبراً عن حقيقة الألوهية الواحدة، والتي لا تظهر أحدية وجودها إلا لمستحقيها، ولن يستحقها إلا الذي حقق «كما بدأنا أول خلق نعيده»، بكل ما تعنيه من سر للخلق والإبداع والتكوين، وانسجم بذاته مع حقيقة نفسه فعرف أنَّه عين المقصود، وأنَّ كل ما يحدث ويتحرك ويسكن بعلم قادر عليم، له غاية في كل شيء وحكمة من كل شيء، ولن نصل إلى هذا المستوى من معرفة غايات لعبة القدر وغايات الطرق الإلهية في حيواتنا الأرضية، إلا بعد نجاحنا بالتناغم والانسجام مع ما يريد وعندما نرفع شعارنا دوماً، لتكن إرادتك، ولتكن مشيئتك، ونقبل بهذه الإرادة من خلال حياتنا اليومية الحسية، عندها فإنَّ عنصراً جوهرياً ما ينمو بداخلنا، سرعان ما يكبر مع الزمن، وكأنَّ بذرة نور تبدأ بالتبرعم حتى تصل إلى مرحلة الشجرة النورانية، والتي تظلِّل أوراقها أخوة البرية، وبالتالي نحقق غاية الإبداع، ونعرفها من خلال السماح لبرعمها الجوهري ولبذرتها الداخلية فينا بالنمو، والتي تحتاج إلى التزام بقوانين معينة من ميزان الحياة، والاستمرار بالصبر على الحق وطريق الاستقامة معه إلى أن نصل إلى فهم إرادته من «كما بدأنا أول خلق نعيده»، عندها نصبح نحن آلهة السماء على الأرض، وعندها بتناغمنا مع العنصر الجوهري اللانهائي الذي سمحنا له بالنمو، نصل من جديد عَبْرَ نقطة السكون الكامن فيها كل الحركة إلى قمة الحركة، وبالتالي نصل إلى اللانهاية فينا؛ عندما يصل كل إنسان إلى اللانهاية فيه سيتحول عن ما هو عليه ليغني مجد اللانهاية نفسه، وعندها نستطيع القول إنَّ مليارات الآلهة على الأرض قد حققت لا نهائيتها بأحديتها، وكأنَّ التعددية عادت إلى الواحد، وكأنَّ التوحيد باللانهاية جمع كل التعدد الظاهري وهذه هي غاية الحياة في «كما بدأنا أول خلق نعيده»، فالكل مصيره وغايته الواحد ووجوده وحياته وقوته عبر سريان قوة «القادر القاهر فوق عباده»، وبذلك يحقق الإنسان مكانته السامية وغايته من الوجود، وبذلك يصبح هو نفسه الإنسان الإله، والذي بوصوله إلى هذا المستوى لن يفقد الإله الكلي من مجد سمائه شيئاً، لا بل العكس سيصل إلى جماله المتخفي وإلى كماله المتجلِّي في خلقه، وبوصوله هذا إلى قداسة الإلهية الكامنة فيه سيتيقن من ألوهيَّته، وسيشاهد جمال كمال «ويبقى وجه ربِّك ذي الجلال والإكرام» ، وعندها سيكون هو المؤمن الحقيقي الذي ينظر بعين الله، وكل مَنْ عداه يقول قولاً باللسان بأنه مؤمن وأنَّه صاحب دين وأنه من الموحدين، وبحقيقة أمره غير ذلك، وبسبب هذا التناقض بين ظاهره وباطنه، فإنَّ سريان الطاقة الإيجابي أو السلبي أصبح ممكناً، ولذلك فإنَّ قوانين الكارما الجبارة، وفق «إنَّما أعمالكم ترد إليكم»، ووفق «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»، تؤدي عملها الطبيعي ضمن القوانين الطبيعية الموضوعة من قبل خالق البرية، والذي يُبقي نفسه منزَّهاً من المباشرة مع الخلق، فهو أقدس من أنْ يعاقب الخلق، وأنْ يكون لديه أدنى ردة فعل، فهو الشاهد الأبدي على أحداث مسرحية الحياة، وهو قمة التوحيد والاتزان، ولكنَّ أعمالنا أنفسنا تُردُّ علينا «وَمَا ظَلَمْنَاهُم وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون»
    وهكذا تستمر التجارب والامتحانات وتستمر الحياة بقانون العمل والذي لا مفر منه أبداً ما دمنا في هذا العالم النسبي، لأنَّ السكون لا يوجد في العالم النسبي لوحده، بل يرافقه دوماً حركة وتتمثل الحركة في عالمنا بقانون العمل، ولذلك فإنَّ الخروج من هذه الدوامة هي بالعودة إلى التوازن الدقيق بين الحركة والسكون وبالتالي لا يوجد اعتقادات متطرفة إلى اليمين أو إلى اليسار بالجسم العقلي، ولا يوجد بالجسم العاطفي تطرف باتجاه الفرح أو الحزن، البكاء أو الضحك، الحب أو الكره، وكذلك لا يوجد تطرُّف على مستوى الجسمين الأثيري والمادي، عندها يصل الإنسان إلى قمة التوحيد والاتزان وعندها يعود «ربي كما خلقتني»، نوراً من نور، وروحاً من روح، وحقيقةً واحدة من حقيقة واحدة. وإلهاً من إله، عندها يصل الإنسان إلى مكانته التي كانت على صورة الإله، ولا زالت تلك الصورة كامنة في بذرة نور نفوسنا، والتي ما علينا إلا غرسها في تربة علمها الصحيح وتحقيق الانسجام مع ملايين القوانين الطبيعية، لنمو تلك الأزهار القدسية، ويعود الخلق من جديد «كما بدأنا أول خلق نعيده»، حيث البداية معنوية روحية فوق الطبيعة المكانية والزمانية، ويتمُّ الأمر أيضاً باختراق هذه العوالم النسبية إلى تلك العوالم البديعة الفسيحة اللانهائية، والتي تغنِّي مجد الربوبية والصمدانيَّة والمولوية وصفات الإلهية بلغة واحدة من قلب واحد، وفم واحد، حيث التوحيد الحقيقي للرب الواحد في الكون اللانهائي الواحد,فها هي العودة إلى البدء من جديد.

    وها هي الرجعة إلى أرض اليمن السعيد، بما فيها من يُمن ومن حقيقة تخترق المكان وليست حصراً على مكان ما من الكرة الأرضية فهذه هي بعضٌ من معاني الوادي الأيمن المقدَّس أو البقعة المباركة أو عالم الحجب، والذي بحقيقته تجاوزي لحدود النسبة الأرضية، والصلات معه ممكنة لقاطني هذا العالم ومتاحةٌ لكل نفس كُلِّيَّة الإمكانيات، ولكن نحن الذين ظلمنا أنفسنا ببعدنا عن حقيقتنا، وبحُبِّنا مَنْ يموت، وتغذيتنا لشخصيتنا الوهمية بدلاً من شخصيتنا الحقيقة، وبعدم مقدرتنا على تحقيق إرادة الخالق من الخلق في العودة من جديد، ولذلك فإنَّ المعاناة والآلام ستستمرَّان حتى يعرف الإنسان حقاً حقيقته، وحتى يوحِّد بعين اليقين بين كل العوالم فلا يبقى إلا دين واحد هو المحبة، ولا طائفة إلا بنو البشر، ولا لغة إلا لغة القلب، ولا ربٌّ إلا الإله كُلِّي الوجود المرتبط بكل موجود والمتنزِّه عن الوجود كله في الوقت نفسه، فله الأسماء والصفات وهو منزَّه عنها في الوقت نفسه، «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» ولكنها إرادته شاءت بقوة «كُنْ» أن يكون كل هذا الإمكان، فتجلَّى لنا من خلال الأسماء والصفات، وليس في عالمنا تسعةٌ وتسعون اسماً كانت بمثابة نماذج ومثالات أمامنا لنتمثل بها لنصبح نحن هو، ولذلك كان لكل صفة أو اسم داعٍ على الأرض، لكي يغذي هذه الصفة الإلهية في بني البشر، وكأنَّ الأرض مقرٌّ للتربية والتعليم من خلال ما يظهر أمامنا، ولو دققنا النظر لوجدنا أنَّ العين الساهرة على الأرض قد بثَّت فيها ولا زالت أناساً ذوي مهمات سلبية أو إيجابية تعادل الصفات الإلهية، ليبقى الصراع بين الخير والشر قائماً ويبقى دور المسرحية الأرضية باختيارها على حسب هوى أصحابها، فمنهم مَنْ اختار دور مسؤول ضدي شرير، وله من قوة «الجبار المنتقم المتكبِّر»، ما يكفي لتغذية هذه الصفة، ومنهم مَن اختار دور «الرحيم الودود الحليم»، ولكلٍّ اختياره، وإنَّما ردود أفعاله على حسب ذلك الاختيار، فهو نفسه الذي يسيء لنفسه باختياره الصفات الضدية، ولو أنَّها مخلوقة من قبل رب العالمين مثل خلق الليل أو الشيطان، أو الضد، فهي من أجل إظهار نقاء الولي وبياض الصفة الإيجابية، فهذه هي دروس العوالم النسبية، بالتناقض بين الصفات والأسماء الإلهية، ولذلك «إنَّ لإمام التوحيد تسعة وتسعين اسماً مَنْ أحصاها دخل الجنة»، والمقصود هنا هو التوازن الدقيق بين الصفات الإلهية وعدم السماح لأي صفة بالغلبة على أخرى في داخل النفس البشرية ليحصل الاتزان العميق في داخل النفس، أما في خارج النفس أي في العالم المظهري فالالتزام بالقوانين شيء أساسي لكي تسير المركبة بين حافتي الطريق، وما بداخلها من تفاعلات سلبية أم إيجابية، فيجب أن تكون قمة بالتوازن، عندها يصل الإنسان إلى العدد «100» بعد «99»، وفيه قمة التوحيد والتنزيه أي ينجح عندها الإنسان في نفي الصفة بضدها من خلال مراقبته وقبوله لصفات الله على الأرض، وعند ذلك بتحقيقه التوازن وبعد آلاف السنين سيعود إلى «كما بدأنا أول خلق نعيده»، فيحقق أحديته ليعيش بجنة أبديته متخذاً جسداً لطيفاً دقيقاً لا يعيقه صراع الأضداد لأنَّه حصَّل قمة بندول الحياة بثباته الدائم على التنزيه لكل هذا الوجود.


    عن محاضرة للدكتور نواف الشبلي

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 13, 2017 2:01 am